مرافعة سوية في "ملف فساد العشرية"! (26)

 

وبإحالة تقرير "لجنة التحقيق البرلمانية" إلى النيابة العامة بأمر من رئيس الجمهورية لوزير عدله، جرى انقلابان ناعمان في موريتانيا:

الانقلاب الأول: وهو انقلاب سياسي قامت به السلطة التنفيذية على نفسها. أو قام به بعضها على بعض! وقد تمثل في إقالة حكومة المهندس إسماعيل ولد الشيخ سيديا يوم 06/8/2020 أي في اليوم الموالي لإحالة التقرير إلى النيابة العامة. وورد في "ويكيبيديا" حول إقالة الحكومة ما يلي: "في 06 أغسطس 2020 استقالت حكومة المهندس إسماعيل ولد الشيخ سيديا بعد إحالة تقرير لجنة تحقيق برلمانية إلى القضاء الموريتاني، للنظر في ملفات فساد شملت ذكر أسماء وزراء في الحكومة (من بينهم اسم ولد الشيخ سيديا نفسه) بجانب عدد من كبار المسؤولين في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ليكلف المهندس محمد ولد بلال بتشكيل الحكومة الثانية في عهد الرئيس محمد ولد الغزواني، وقبل يومين من إعلانها استدعي ولد بيه على وجه السرعة من سلطنة عمان التي كان يتولى سفارتها، وسط تكهنات بدخوله الحكومة الجديدة، وفعلا حينما أعلن عن الحكومة أوكلت مهمة الوزارة السيادية الأهم فيها (وزارة العدل) له". وقد جرى هذا الانقلاب خرقا لنصوص الدستور الموريتاني، ولنظام الجمعية الوطنية الداخلي الذي يزعم دفاع النيابة أنه قانون نظامي تارة، ومكمل للدستور تارة أخرى! ذلك أن أركان النظام وأطر الدولة ووزراءها الواردة أسماؤهم في التقرير المشؤوم، خرقت في حقهم المادة 136 من النظام الداخلي التي تنص حرفيا على ما يلي:

"1. للجمعية الوطنية أن توجه اتهاما للوزير الأول و/ أو لأعضاء الحكومة أمام محكمة العدل السامية طبقا لأحكام المادتين 92 (جديدة) و93 (جديدة) من الباب الثامن من الدستور.

2. لا يعتبر قرار المتابعة وكذا الاتهام نافذا إلا بعد التصويت عليه بالأغلبية المطلقة من الأعضاء المشكلين للجمعية الوطنية في اقتراع علني. وفي هذه الحالة، يقدم الوزير الأول أو عضو - أو أعضاء- الحكومة المتهمون استقالتهم".

       لقد تم الاعتداء (ممن؟ وكيف؟) على رئيس الحكومة والوزراء الواردة أسماؤهم في التقرير ولطخت سمعتهم، وألقوا في الشارع وسجن بعضهم وحوكم؛ وكان عزاؤهم في هذه المحنة أن قدمت لهم مواساة لفظية على لسان مدير ديوان رئيس الجمهورية في بيان تلاه بهذه المناسبة "بأن من برئ منهم سيعاد له الاعتبار"! في حين أنهم لم يتهموا أصلا من طرف الجمعية الوطنية (البرلمان) التي تملك وحدها حق اتهامهم! وكل ما في الأمر أن أسماءهم وردت شططا وظلما وبغيا متعمدا في تقرير باطل صادر عن لجنة فضولية غير قانونية. ولم تجر في حقهم قط إجراءات الاتهام المنصوصة في الدستور (المادتان 92 و93) وتلك المنصوصة في المادة 136 من النظام الداخلي ("المكمل للدستور" حسب قول النقيب)! بل ظلموا ظلما شنيعا، لسبب بسيط، هو أنه كان عليهم أن تتم تصفيتهم لعدم صلاحيتهم للمرحلة الجديدة، مثلهم كمثل وزير العدل الدكتور حيمود ولد رمظان الذي شكل رأيه القانوني الصريح عقبة في طريق الانقلاب، وأن يتركوا مقاعدهم لآخرين يصلحون للمرحلة طال وقوفهم في الطابور انتظارا لدورهم في اقتسام الكعكة الوطنية!

الانقلاب الثاني: وهو انقلاب قضائي قام به القضاء الواقف على الحكومة التي تم تبرير الإطاحة بها بإحالة تقرير لجنة التحقيق البرلمانية إلى القضاء؛ وعلى الدستور وجميع القوانين المعمول بها في البلاد، وعلى الحق والعدل أيضا؛ ولا يزال هذا الانقلاب ساريا إلى يومنا هذا! وقد جرى على مرحلتين: علنية، وسرية:

المرحلة العلنية: وقد بدأت بإحالة وزير العدل بأمر من رئيس الجمهورية تقرير "لجنة التحقيق البرلمانية" إلى النيابة العامة لدى المحكمة العليا يوم الأربعاء 05/8/2020. وفي اليوم نفسه (الأربعاء 05/8/2020) أحالت النيابة العامة لدى المحكمة العليا ذلك التقرير إلى النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف. وفي اليوم نفسه (الأربعاء 05/8/2020) أحالت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف التقرير بدورها إلى وكالة الجمهورية بنواكشوط الغربية التي يتولى وكيل الجمهورية فيها تنسيق فريق مكافحة الفساد بالنيابة العامة؛ وهنالك ألقى التقرير "المسكين" عصا الترحال بعد يوم شاق من السفر! ومن المؤكد – حسب عامل الوقت - أن أيا من النيابتين العامتين لم تطلع على محتواه (365 صفحة) ولم تعط فيه تعليمات غير تلك المقدمة من طرف وزير العدل! لماذا؟

 وفي يوم الخميس الموالي 06/8/2020 تمت إقالة وزير العدل ضمن حكومة المهندس إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا!

وهنا تتبادر الأسئلة التالية:

* كيف تمت الإحالات الثلاث المذكورة في يوم واحد رغم أساليب الروتين والإهمال السلحفاتية السائدة في الإدارة الموريتانية؛ وخاصة في مرافق القضاء؟ وما هي دواعي الاستعجال في الموضوع ذلك اليوم؟ وما هي التعليمات الواردة في إحالتي النيابتين العامتين؟ وكيف تم التوصل إليها دون إلقاء نظرة على التقرير الذي ظل على جناح سفر طيلة يوم الأربعاء 05/8/2020؟

* كيف استطاع السيد وكيل الجمهورية أن يستنتج أن "إجراءات المتابعة اللازمة" هي ما قام به من إجراءات خطيرة تمثلت في فتح مسطرة بهذا الحجم (ضد أزيد من 300 مسئول) في فترة شغور منصب وزير العدل؟ ثم من كان يتابع الأمر معه ويزوده بالتعليمات التي تَرجمت "إجراءات المتابعة اللازمة" إلى ما ذهب إليه؟ أهو وزير العدل حيمود ولد رمظان الذي يفترض تسييره للشؤون الجارية حتى تتشكل الحكومة الجديدة؟ أم السيد محمد محمود ولد بيه الذي لم يصبح بعد وزيرا للعدل رغم وصوله هو وأفراد أسرته إلى نواكشوط في طائرة خاصة يوم 07/8/2020 وكان شائعا في وسطه الاجتماعي أنه دعي على عجل ليتقلد منصب وزير العدل؟ أم إنه عمل منفردا طيلة أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد التي قطع فيها الملف على يده أشواطا كبيرة؟

* لماذا أقيل الدكتور حيمود ولد رمظان أستاذ القانون؟ وهل لإقالته علاقة بموقفه هو وطاقمه من تقرير "لجنة التحقيق البرلمانية"؟ ولماذا جيء بالسيد محمد محمود ولد بيه إلى غير اختصاصه، وهل لتعيينه هو خصوصا وزيرا للعدل علاقة بما يجب فعله خارج القانون في تقرير "لجنة التحقيق البرلمانية"؟ ولماذا تم نقله في طائرة خاصة؟ ومن وفر تلك الطائرة؟

يتبع