رحلـة الشتــاء (ح 16)

في رحاب سدوم

25 /12/ 1998

الشيخان يتلوان القرآن كعادتهما كل يوم.

اتخذ مجلسا خارج الكهف، في ظله، رغم معارضة بعض الحراس. كان الجو جميلا. أطل على الوادي بمزارعه ومراعيه وحركة الزراع فيه! الحياة تدب طبيعية خارج "بيت الموتى"! قطيع غنم يرعى. بقرات وجمال وحمير غافلة عما يجري، منهمكة في تحصيل قوتها قبل أن ينفد المرعى. أطفال يذهبون إلى البساتين زرافات ووحدانا ويعودون حاملين ما لذ وطاب من حصاد سقوه بعرقهم. نسوة كالهياكل يتوجهن، بعد تدبير شؤون بيوتهن، إلى البساتين لقضاء بقية اليوم في العمل.

لوحة بديعة متعددة العناصر والألوان: سلسلة جبال تگانت، بلونها الأسود الداكن، تشكل الإطار الشمالي الغربي للصورة، يحاذيها بساط أخضر من الطلح. وفي السفح تمتد تلال رملية تتخللها نباتات في بعض أجزائها ويعرو البعض مشكلة ربى نضارية تحتضن الوادي الأخضر ببساتينه ومراعيه وقطعانه وشخوصه. وفي جلهة الوادي تتناثر كثبان تسنمتها أكواخ مبعثرة يكتب هذه الملاحظات في ظل أحدها. بينما يقف "تبادَّ" (التوباد) شرقا حارسا هذا المكان البديع الذي أصبح - بفعل الإنسان- سجنا ومنفى لكل إنسان يرفض أن يصبح بلا وطن!

(فتأمل هذا البسـاط الموشى ** كيف زانته خضرة الأعشاب
والجبال التي ترى شامـخات ** راسخات مشدودة الأعصاب
مر أجدادنا بها ثم غابــوا ** فأتتنا من عندهم بكتــاب
صلبت واستوت وعزت ففيها ** قسمات من الرجال الصـلاب
إنها الإثمـد الذي فيه نــور ** وشفاء للعين والأهــداب
فتأمل كيف احتوى التبر كحلا ** في رواب حفت بشم هضاب
رب ما أجمل الشواطئ خضرا ** دون بحر من النضار المـذاب.)

نفس اللوحة في مرسم الأستاذ الخليل النحوي.

* * *

ها هو ذا سدوم قادما من جهة الجنوب يحدو عيرا. إنه يجتاز الوادي مسرعا، صاعدا إلى تگانت!

رجل أسمر، قوي البنية، جلد، فارع القامة، خفيف العارضين واللحية، أجعد الشعر أشمطه، صغير العينين، ثاقب النظر، يرتدي ثيابا سودانية خضرا وغفارة حمراء تحفها عمامة بيضاء.. يصحبه رجال أشداء أقل منه شأنا..!

تشبث به.. توسل إليه أن ينيخ بساحتهم!

نفر من هيئة الحراس، ومن الأكواخ المترامية جنب الوادي، على غير المعتاد‍..

ـ لا بد من تگانت وإن طال السفر.

شوق تگانت يأسره ويحدوه!

ورغم ما بدا عليه من تعب، كان يرقص فرحا ومرحا، ولا يريد أن يكدر شيء صفوه الغامر!

ألح عليه..

ـ أنخ بساحتنا، أرجوك! هذه فرصة عمري.

ـ هيا معي! سأنيخ على ظهر تگانت!

ـ والحراس؟

ـ هم في ضيافتي إلى أن يحين التحاقهم بقطعانهم. أوليسوا رعاة أهل أعمر؟

ـ كلا. هؤلاء رعاة معاوية.. ولا قطعان لهم سواي وزميليّ!

ـ لا يوجد بيت بهذا الاسم في "قريش أهل أعمر"!

ـ ولكن ما خطبك، ولماذا أنت...؟

ـ جئت من حلة أولاد لغويزي التي أزورها كل شتاء، وكنت وعدت الأمير سيد أحمد بن امحمد بن اللب باتهيدينه تخلد ذكره وتذكر معالم وحدود ملكه. وقد نظمتها كلها ما عدا المطلع، وذكرت فيها المعالم المحيطة بهذا المكان. لم يعيني وجود المطلع، بل أعياني وجود معلم يتكون اسمه من متحركين فقط... وبينما نحن نجتاز واحة غرب انتاكات صادفنا رجل من البدو. سألته عن اسم تلك الواحة. قال گرو. فأخذت أولول وأصيح. ظن الرجل أني جننت. أخبرته أني لم أجن، ولكني وجدت عنده ضالتي. قال إنه يبحث فعلا عن ضالة، ولكنه لم يظفر بضالتي. واعترافا مني بجميله نزلت عن راحلتي وأهديتها إليه مع ما تحمله من متاع، وآليت أن أقطع بقية المسافة راجلا.. لم يفهم "الديار" خطبي، وبقي واقفا يمسك زمام الراحلة..

ـ هلا أنشدتني إياها فتؤنسني في غربتي؟

ـ لا بأس. ستكون أول من يسمعها.

وأنشد:

گـرو وگنديگه وابَـزَارْ ** وكامور أهذاك المطــراح
كيفـه واسويـح فانُتـار ** ولـول وأوهام والبحباح
خيـرن وامحاوز لبيــار ** ذوك اديار أولاد الفحفاح.
 

 

ـ إنها رائعة. ولكن لماذا تمدح أولاد امبارك وقد خرجت من ديارهم وانفصلت عنهم؟

ـ مدحت أولاد امبارك لأنهم أهل للمدح. مدحت الشرقيين بعد نزوحي عنهم اعترافا بجميلهم ووفاء بالعهد الذي بيني وبينهم فأنا حساني! ومدحت الغربيين فهم أهلي وجيرتي وأولياء نعمتي.

 

ـ لماذا "أم ارثم" إذن؟

ـ إنها ملحمة مثل ملحمة هوميروس تخلد بطولات الذين يدافعون عن الحمى ويحمون الذمار. ولا بد في "اتهيدين" من الدگ (الثلب).

ألم يثر مدحك لطرف حفيظة آخر؟

ـ كلا، أبدا. فكلهم أهل للمدح. وكلهم يعرف ذلك. ويعرف كم أنا صادق فيما أقول فيه وفي أخيه الخصم. ألم يأتك نبأ "يوم التيدگيت" بـ"جوك"؟ نهب إدوعيش إبل أولاد لغويزي فأدركهم أولاد لغويزي في "جوك". قال إدوعيش لأولاد لغويزي: إن من مصلحتكم أن ترجعوا وتتركونا وشأننا ألم تسمعوا ما قاله فينا شاعركم سدوم:

"اتشدو فالمال أهسكال       نحلال أهل الكسب إظگوه

ما رجعوا باطباگ التيال       وامشاو انكاده ما جبروه!

فرد عليهم أولاد لغويزي: بالعكس، نحن نرى أن من مصلحتكم أن تتركوا إبلنا وتنجوا بأنفسكم، أما سمعتم ما قاله فينا شاعرنا سدوم:

"صاگه تكعم وجه الحَذَّار       واتشيلـه، باظلال السـلاح

أصاگه ما تحظر فنفــار       غز لـزوان البــــراح

أصاگه ما تترافد تــذار       فثر الكسب الغادي ما طاح.

واشتبك الجمعان، كل طرف يحدوه هم واحد هو أن يكون عند حسن ظني، ويصدق قولي فيه. فهلكوا عن آخرهم، ونفقت الإبل كلها أثناء المعركة. لذلك سمي ذلك اليوم يوم "التيدگيت"!  

ـ أتمدح لتعطى؟

ـ بل أمدح لأعطي من هم أهل للمدح، ويكرمون الفن، ويجلون الفنانين؟

ـ والذين يمدحون من ليس كذلك، ويمدحون استجداء؟

ـ إنهم متسولون وكذابون، يثيرون الشفقة، وهم أبعد مدعي الفن عني وعن الفن! 

في الحلقة القادمة:  من بو امديد إلى دلهي.